الشاطئ اللازوردي ح13
ليستقبلنا على جسر اليخت الفخم ،وقف عملاقا أبيض حليبي البشرة كأنما بعث من عاد ، يلبس جلبابا
خمري اللون من الحرير الطبيعي الذي يتقن عمال المصانع نصف الآلية في جبال تايشان حياكته
ليكون
لذة للَّامِسِين ….
كان بهي الطلعة لذ الطباع يقارب المترين قامة في جسم رياضي مفتول العضلات ، خفيف الشنب
حليق الذقن ، يُعامد شروق الشمس ،بجبينه الوضاح ،على جزر البليار و نحن نزمع الغداء في
ميورقة .
بدت تصعد السلم إلى الجسر، حورية بحر أسطوريةً بقامتها المتوسطة ووجنيتها المتوردتين جِبلّةً ،
و كعبها العالي الذي يعلن قدومها من ضواحي المريخ، يعاند ،في البث المباشر ،سلطان عطر
“قيرلان” الذي ينتشر من أفنانها ، ألف سنة ضوئية كلما أزمعت العبور..يستوي النَّيِّران ..يخاصرها
ماحي بسمرته القمحية العربية الفاتحة ،وشعره الفاحم الكثيف ،وقد وخط الشيب ذؤابته المثيرة،
وعلى عادته في الإستحواذ على الإنتباه ، يلبس دراعة قطنية زرقاء سماوية وقميصًأ موائمًا، نمنمته
يد ترزي مصاب بلوثة إتقان “خياطةاليد” بخيوط ذهبية داكنة وشال حرير انجليزي مصبوغ يدويا
،مشغول المساحات بألوان يطغى عليها الأزرق البحري، فينبهر الأمير: الثوب محفور بالعلم الوطني ؟
جميل … فيجيبه ماحي بأن الهلال و النجم علامة النسيج الأرقى في بلاده..
ويبدأ تتابع صعود المدعوين من غرفهم و مقصوراتهم لتناول الإفطار وسماع وصلة موسيقية هادئة
بعد ليلة من تمايل القدود على الانغام الكلاسيكية الساحرة .
بإشارة من كبير المرافقين يتوزع هذا العالم الدري الجميل على الموائد و تدور الأوانس و الشباب
،في بزاتهم البيضاء و قلانيسهم التي تترك من الذوائب ما يكفي لسلامة المنظر و يدفع الحلبي إلى
زيادة مستوى الكحول في جسمه و الهذر في لسانه ..
جلس إلى المائدة الملكية مع ماحي و النبيلة ،الامراء الاوروبيون المدعوون الأربعة، وشيئا فشيئا
بدأت خيوط الحديث تنسِل موضوعا من آخر منطلقة من سؤال أحد الامراء الضيوف عن (محمية
الرقين) في بلاد ماحي لأنه سمع والده الدوق يتحدث عنها بإعجاب منقطع النظير ، والتقط جاره ،في
المقعد والدولة، طرف الحديث ليتمنى زيارة إحدى الصحارى العربية ، و سألتْ ،ببراءة، كاثرين :هل
صحيح انه لا يوجد نبات إطلاقا في الصحراء؟ وإذا كان الجواب صحيحا فكيف يعيش الناس و يكتمل
نموهم مستنتجة أن في الأمر مبالغة بهدف الغرابة و التشويق.
ابتسم صاحب المكرمات و قال ما رأيكم في أن يوجه لنا ماحي دعوة لزيارة صحرائه على أن نزور
صحرائي أنا بعد ذلك..و لهول الفكرة صفقت كاترين بلباقة لكن الشباب أطلقوا لفرحتهم العنان:
فلنشرب نخب الرحلة واتجه الجميع إلى المائدة الملكية يستطلعون سبب انتفاء الوقار ،فجأة، عن مقام
المائدة ..قال: لو سمحتم الهدوء.. الهدوء ..سعادة صديقنا ماحي ، و هو لمن لا يعرف ذلك، من أكبر
شعرائنا،يدعونا جميعاً لزيارة صحراء بلاده ،و بما أنها الصحراء فلا نستطيع الابحار باليخت !!
سنسافر بالطائرة والنقل الداخلي بالرباعيات…
لقد لف الحبل حول رقبة ماحي فالجميع يريد (السفاري) و لكنه بارع التدبير.. أيها السادة سنجري
قرعة لئلا يغبن أحدنا الآخرين…
مااسم المكان ؟ وهنا هجم صوت الحلبي، نحن ذاهبون إلى مكان سمعت ماحي يتحدث عنه إسمه
“هجان”؟؟يقول فيه أشعارا جميلة ، أرجو أن يقرأ علينا بعض مقاطعها….
يقترب الجميع و تختلط العطور و الالوان والاصباغ و الاعراق في تناغم إنساني باذخ القسمات ندي
الأريج…قال….
ما بين وجنتك الحمرا توطَّنَـــها** مــــــــــاء النعيم ،وبيني ،قصة الأمم
دهران داران بل كونان قد جمعا **من و فرة الشمس أو من ندرة السدم
و اجتهد الحلبي الجميل في ترجمة البيتين فاخترع من المعاني ما ليس في النص ليطرب المدعويين،
وقرعت النحاسيات و صخب المكان واقترب اليخت…
منورقة تقترب و عقله يبتعد….مهموما بتفاصيل الرحلة من العاصمة إلى “هجان” …
..يرسو اليخت و ترنو العيون إلى دراعته الزرقاء المهيبة المغتربة في جزر البليار نصف قرن بعد
رحيل آخر مورسكي من “غضارة النعيم”….
******* **********
الحلقة14 :مينورقة .. مالطة..
عاد اللبناني القصير يحمل جوازات السفر مختومة بسمة الدخول إلى الأراضي الإسبانية لمدة90يوما قابلة للتجديد ، وانحنى ،في إيماءة يتقنها الشوام لذة معشر وسلاسة خدمة..قائلا بصوت خفيض : آلْـتيسْ و إكسلانس (أصحاب السمو و المعالي) سنقوم بجولة في الجزيرة وهناك خيارات عديدة..وبدأ بنبرة الخبير يعرض المقترحات ..بلايا دوبينغاوس شاطئ رائع ولكنه للعائلات أنسب…وهناك شاطئ كالاتنخا يعرفه العارفون بشاطئ الرومانسية …
صفق الدكتور الحلبي ورفع عقيرته ببعض أغاني خوليو إيغلسياس فضحك الجميع ،و أردف قائلا يا صاحب السمو الرومانس …الرومانس يا إكسيلانس و صفق الأمراء وغابت النبيلة في نوبة ضحك يعرف الحلبي كيف يغرقها بها وهي تردد لازمته التي يعرف رفاقه:la vie est une escale ;Passons sans mal مما تمكن ترجمته: الحياة محطة فلنعبرها دون إساءة…
وتلك فلسفته في الحياة الآن فهل كانت كذلك وهو سفير كامل السلطة ؟أعترف أنني ،حرصا على مزاجه ، لم أستطع يوما أن أطرح عليه هذا السؤال الوجيه..
في مدينة الآورا كان الغداء فهي عاصمة الذوق في جزائر غرب المتوسط ولها شهرتها بالأجبان المحلية الطازجة…
قالت : لم تكن مرحاً اليوم ، ولا سيما في قرية الجبن ،أرجو أن لا يكون قد سيطرعليك هاجسك الذي يسكن على مسافة 500سنة من الزمن، ألم تستوعب من دروس التاريخ أنه سلسلة من مآس يصنعها الغزاة وهم أول ضحاياها من الإسكندر المقدوني إلى “السراجين” كما تحب أن تسميهم ،إلى الصليبين وغيرهم و غيرهم…
من ثوابتي أن لا أناقش الرفيق بما يكدر صفوه في السفر حتى و لو قرر ما يغيظني ، لذلكِ سأرجئ النقاش في هذه المسألة، إلى أن نعود إلى :كان” أو “نيس” أو “باريس”.. قلتُ..
لماذا تلزم نفسك بهذا السلوك الفروسي المُتجاوز ؟ طبيعي أن نناقش.. نختلف.. نتفق ..عادي ،قالت.
في المقصورة تثبيتٌ للطقس على العشرين ، لأن مناخ المتوسط في الليل بارد أكثر، ولكنني مسكون بالبحر ، فكيف لا أخرج إلى الجسر لأتملَّى منظراَ قد لا يتكرر.. أضواء الجزر المتناثرة كعقد منظوم اللالئ على جيد غادة نوبية نيلية التقاطيع..
سحبت من الدولاب معطفي الكشميري الخمري”الموسوم ي س ل”وتلفعت به فوق “الروب” قالتْ: نحن في البحر أيها الصحراوي…البرد قار…س وبلغني الحرف الأخير من خرم الباب و ما كدت أصعد لرأس الجسر حتى زمجر الموج ولطمتْ وجهي صفعة ماء أجاج وألقت بي راكسا على السلم قشة يُسلمها درج لأسفله …ولا مغيث ..وتكومتُ عند منعطف السلم أفرك عيني باحثا مع الغبش و الحرقة عن نظاراتي ومن لطف المقادير أنها استقرت عند نهاية الدرج في نهاية مسارها معي…
كان ضوء مصباح السلم خافتا إمعانا في الرومانسية والهدوء..
ولا أحد ..لا حراسات ولا نوتي .. مسحت النظارات بأصابعي ليصبح الغبش أشد كثافة …مجتازا الممر الطويل الفاصل بين الغرف و المقصورات، بشكلي المبلل بالملح و يدي المرتجفة أدرت كعب المزلاج دالفا إلى المقصورة فإذا “كاترين” تتابع فيلما فرنسيا على الفيديو و تختلس نظرة ماكرة إلى “الصحراوي” الذي عبث به البحر الأبيض المتوسط…كيف الجو على ظهر اليخت؟
ــ رومانسي جداًّ…
ــ ومُمَلَّحٌ زيادة!! قالتْ
في الحمام تخلصت من “السبخة” وسويت هندامي و كالطفل المُدان البردان دسستُ جسمي تحت الملاءة البيضاء و استسلمتُ لنوم عميــق.
من طقوس اليخوت الترفيهية ، الفطور على الجسر، عندما يكون الطقس صحوا فشروق الشمس المتوسطية على وجنات الحسان قصيدة بجزالة العربية وعذوبة الفرنسية و خيال الإسبانية و رهافة الإيطالية ورومانسية الهلينستية و رجولة التركية و خلاسية المالطية و طرب الأمازيغية..هنا كانت أسطورة البدأ في هذه الجرعة النبيلة من الماء الملح المسماة البحر الأبيض المتوسط…وهنا كتبت على ضفافه كل أساطير الحب والكره و الموت والحياة و التبشير و التنفير و الغزو و العدو والسهو والزهو…زنوبيا كيليوباترة عليسة..حتى بلقيس جاء بها الهيام إلى ضفته الشرقية يسبقها عرشها ..لتكتب عن ساقيها أحجة ولع الأعاريب بالساق العبل والخلخال الصامت وفلج الأنياب وبُعْد مَهوى القرط فتتحد مقاييس الجمال من “العراقين” إلى مهبط الظل غربي دير”سان مالو”…
*********** *********************
الحلقة 15:Escapade à AGADIR
قال الأمير الإسكندنافي اللطيف مواصلا حديثه الإستشراقي الحشري عن الصحاري العربية : السنة الماضية قضيت رأس السنة في مراكش و أعتبر، وليسمح لي السفير الحلبي، أن كل سحر الشرق وألف ليلة وليلة كامن في المغرب أكثر من المشرق، واحتدم النقاش ، وكان مطلوبا حكم ماحي لأنه ليس من المشرق كصاحب الدعوة و الحلبي وليس من المغرب ، فقال: لنفسي أختار دمشق ولكم أختار أغادير…فقال الداعي من منكم زار دمشق فإذا بالجميع يعرفون قاسيون ، ومن لا يعرف أغادير فإذا به و ماحي الوحيد ين الذين يعرفانها، بينما يعرفون جميعا مراكش و الرباط وبعضهم فاس، فقال صاحب الدعوة : ما رأيكم في ليلة و يومها بأغادير على أن نعود مساء الغد الموالي لنواصل رحلة “ماحي” إلى مالطة، وسينتظرنا اليخت ،إن شئتم ، في كورسيكا أو سردينيا؟؟
قال الحلبي : أنا الوحيد الذي قد لا أمنح تأشيرة دخول إلى المغرب
فبادره ماحي بالقول : في المدن السياحية المغربية لا مشكلة،
فقال المضيف: ندبرها فلا متعة بدونك أيها الشاعر الجميل!
رفع الربان مراسيه واتجه صوب الشرق وقد أرخى الليل سدوله…
من داخل المقصورة ، وقد نام أو هجع سكان اليخت في الأجنحة و الغرف ،لا تسمع حسيسا بسبب الجدران المصممة لعزل الصوت ، وخلود المدعوين إلى الراحة بعد يوم من التجوال في المواقع السياحية و المطاعم و المتاحف..
بعد عشاء حميم في المقصورة وهي تلبس فستان سهرة الساتان اللؤلؤي وعلى غير العادة كانت قد أرسلت ذوائبها على كتفيها و جيدها نهرا من صهارة الذهب الإبريز تتنازعه نظرات ماحي و حنان التراقي ودعوات الجيد المرمري اللاهب بلون الصبح على قنن الإنديز…
قالت: “ماحي”.. لا أضايقك إن تفردتُ لليوغا مع هدوء هذا الليل ، فلم “أطقس” منذ إبحارنا من الشاطئ اللازوردي..قال: بلغي تحياتي لبوذا وإشفاقي عل فقرات ظهره من طول الجلوس .
هزَّتْ عطفها باسمة فباح أنين الأقاح و قالتْ :
je ne manquerais pas
قال ضاحكا :أما أنا فيسعدني أن أصعد الجسر انتقاما من البحر وهزيمته لي الليلة البارحة..
ممرات الجسر مضاءة بمصابيح أرضية خافتة والبحر هادئ كسجادة عجمية في بلاط مغولي مهجور…وهو الوحيد المأذون له بالصلاة في هذا السحر الساحر المستل من غفوة عابرة للدهر الخؤون…فاتجه إلى القبلة في ناشئة ليل ما تذوق لها شبيها منذ حجته الأخيرة…وبينما هو يرتل ،كالملهم ، سورة الضحى متأملاً سجو الليل ،حملت إليه آذانه موالاً ،ظنَّهُ من وسوسة الشيطان ، وكم في بحر الروم من الشياطين، ولكنه كان من شياطين الإنس الظرفاء إنه الحلبي يستخفه الطرب بنفسه وحيداً على ظهر البسيطة…
قال: أيها البدوي الراقي لماذا تمارس الخروج على القواعد كأنما تدمن الإختلاف ، ربما تكون المرة الأولى التي تسمع فيها محركات “رولز رويس” التي تدفع هذا اليخت ،سورة من القرآن
إنك فعلا تستأهل الرقم القياسي للمخالفة في موسوعة “غينيس”..
صلِّ من أجلنا أنا و البارونة و الأمير.. كي لا نعذب على الشمبانيا و الجاز وماء الحياة…
قال ماحي: أيها الرجل ألا تتعب من العرق؟ فضحك طويلا وقال: هذه خمور الفقراء في المطاعم العربية بباريس ، ترى أصحابك من فقراء المثقفين العرب يشربونها كالبعران و تحسبها خمرا.. ولا وجود لهذه المياه الآسنة على اليخوت الملكية …
أيها الصحراوي المتمدن …
أ تعرف كل القبائل العربية و وقائعها و أيامها ولا تعرف أنواع الجعة وأصناف الخمور وقبائل النبيذ… قُلْ لي فيم تنفق مُرتبك؟
اهتزّ الجسر وبدأتْ جبال الموج تعلو بالمركب فأمسك ماحي بذراع العجوز الشامي وقاده إلى الداخل..وهو يحتج لماذا ندخل ؟ قال ماحي: أيها الشامي الجميل أنسيت أن عليك أن تأخذ قسطا من الراحة قبل الرحلة غداً إلى أغادير ؟ لك عندي بشارتان:
* صاحب السمو أوعز بالعمل على تأشيرتك…
جميل والثانية؟
* ينتظرنا هناك شخص تحبه كثيرا…جُنَّ جنونه: أنزل معك… لكن قل من هي؟
ومن قال إنها أنثى؟ قال ماحي.
ــ وما فائدة الذكور في غير القطعان أيها الراعي الصحراوي المتدين؟ يقول الحلبي …
ــ إنه السفير اليمني يقضي أياما في أغادير..
ــ ومن أخبرك؟
ــ أبرق لمكتبي وأبلغوني ..
ــ وكيف سنجده؟
ــ لا بدَّ أن يكون على عادته يفطر في مقهى ” تافوقت” على الشاطئ في أغادير..
ـــ وأنت تعرف واق الواق….قالها وهو يتعثر نازلاً السلم…
…يتبع…
******************** *******************
الشاطئ اللازوردي
الحلقة 16:أزرق أغادير bleu agadir
من المقاييس الأساسية في اختيار المضيفات ،قبل حسن السمت ، عذوبة الصوت، بحيث تكون الاصوات التي يحملها إليك البوق في صالات المطارات و في الطائرات قطع حلوى مسموعة تتلهى بها أذنك وتغسلها من درن أزيز المحركات ،كما يتلهى حلقك بقطعة الشكلاتة التي تذوب رضابا ملونا في اللها لا تراه العين...
لقد أصبح كل ذلك من سقوف الملذات التي تَخَيَّلها الشعر فصنعها العلم أحلاما مجسدة في الأحلام..
"نحن الآن على ارتفاع كذا قدم نجتاز مضيق جبل طارق إلى يمين الطائرة و سنوا صل رحلتنا الخاصة إلى مدينة أغادير..."
كانت دَلاشوديير مأخوذة بالصالون الجلدي الدائري الخرافي والبسط المبثوثة على أرضية الطائرة ، والموائد المثبتة و عبير باقات الورود والزهور المتناثرة على المزهريات في أركان الصالون الفسيح و القمرتين المجهزتين مخادعَ نوم بأسرة وثيرة و شاشات عرض ، وكأنما لم نغادر اليابسة لولا نوافذ الطائرة و الغمام المتواشج تحت أقدامنا تشقه أجنحة هذا الباز الفولاذي العجيب.
قالت لماحي ، مازحة: أين مقاعد الطائرة وصفوف الركاب كما في الحافلة؟..نحن في فندق خمس نجوم ولسنا في طائرة...حقيقة التفاوت بين الناس فوق الخيال ..هذه الطائرة لصديقنا فعلاً ؟
قال ماحي: خفضي صوتك ...لا أعرف ..ما الفررق ؟له أو من "مربط خيل والده".. ابتسمتْ بنبلٍ متوارث وقالت: أنتم أمة عظيمة ولكنكم تبالغون في الإستهلاك .. وعضت على بقية الجملة.. فقال صديقها:
درس بليغ ممن تملك عدة قصور مسجلة تراثا لا يقدر بثمن في "رينس" و "الكوت" و"بوردو"...قالت: تحتمي لابن عمك؟؟ سنناقش الموضوع بعد أن ننزل في الفندق...
قال: قد يكون منتجعا خاصا...
قالت: من فضلك .. لطفاً.. هذا المساء أريد أن أنزل في فندق درجة ثانية أو حتى ثالثة ...إنني مختنقة بالمراسيم و الفخامة ...
flaner librement Je veux
قال ماحي:لا مشكلة سأتدبر الموضوع، فقط أرجوك لا تظهري تبرما، فالرجل يفعل كل هذا من أجلي...
قالت: تعرف أني ممتنة لعلاقتك به ، وهذا من أخلاقكم الأصيلة، لكنك تعرف قرفي من البروتوكول و القيود التي تجعلني أترك البارونة الوالدة أسابيع حتى أرى الدنيا البسيطة و الإنطلاق بدون قيود ...
أنت تذكر البيت فالبارون يعرف متى ينزل إلى الحديقة ومتى تأتيه البارونة ولون قبعتها في كل فصل و قهوتها في أي الفناجين وطراز الكرسي ينتمي لأي لويس 14 او 12 ..تراثي هذا و أحبه ولكنني لا أستطيع أن أعيشه فهو ماضٍ سحيق ..أنت و صديقك تريدان جمع النقيضين...و هو مستحيل...
و بينما هي غارقة في موضوعها ، أعلنت المضيفة بلثغة إسبانية تُذكر بأحزان ولَّادة: بدأنا الهبوط نحو المطار..
زرقة أمواج أمواه أغادير في سفح الجبل وكلمة السلطان محمد الخامس بعد الزلزال الشهير و البارونة المندهشة من كثافة الإفريز الأزرق ...قصيدة تبحث عن كاتب...
إنحنى ماحي إلى الأمام ليُسمع صوته مع ضوضاء المحركات لحظة الهبوط و قال:أيها السادة في اللغة الفرنسية نعوت للون الأزرق كثيرة ،لكنهم أضافوا إليها هذا القرن الزرقة الأغاديرية ...فلا يَفُتْكم هذا اللون على الطبيعة...
جمع أمين المراسيم بسرعة الجوازات وعندما حطت الطائرة في نهاية المدرج كانت سيارات سوداء مظللة تربض عند السلم تنتظر على استحياء أن يمتطيها القوم ..وانطلق الموكب بهدوء صوب "الإقامة" بالمصطلح المغاربي ، وعند الوصول إلى القصر الأندلسي الجميل ذي الطابق الواحد بدأ توزيع الضيوف على الغرف و الأجنحة فاستلم مرافق ماحي ،كالعادة، و حرمه ،كما كانوا يقولون، الجناح الخاص بهما ،لكنهما هذه المرة لم يبادرا إليه،وانتظرا حتى رآهما المضيف وكان يهم بالصعود إلى جناحه بعد أن اطمأن إلى الضيوف ..
ولما لاحظ وجودهما عاد أدراجه مُسَلّما ومتسائلاَ : صاحبة السمو البارونة أتعبناك؟
ــ إطلاقا نحن من أتعبنا سموك بهذه الرحلة الطارئة ...قالتْ بلباقة إنجيلية ...
وقبل أن يرد قال ماحي: أخبرتُ سموك أن صديقنا اليمني ينتظرني هنا و من اللياقة أن نبيت الليلة معه في فندقه منها الصداقة و منها العمل الأممي.. تعرف أنه عضو معي في مجالس متخصصة ، ثم إنه ...
ــ كان الأولى بك أن تستضيفه فهذا بيتك ...
ــ سأستأذن لي و للبارونة و الحلبي ولكُم علينا أن ندعوه على الأقل للسلام عليكم...
ــ هذا يسعدني فأنتم تبالغون في ظرافته...كما تشاء البارونة...أرجو أن تهتم براحتها...إنها سيدة "هجان" و "رينس" ...قالها بفرنسية مكسرة جميلة منه...فابتسمتْ كما تتفتق شقائق النعمان...
.../...


ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق