السبت، 16 مايو 2015

محمد سالم ابن جد ظرافات وظرفاء (64)

ظرافات وظرفاء (64)
يقول الشاعر:
وإذا العناية لاحظتك عيونها ** نم فالمخاوف كلهنَّ أمانُ!
شهدت بصدق هذا البيت أكثر من مرة، ولكن مشكلتي وأمثالي ممن لا يدّعون علم الغيب أنا لن نعرف أن العناية تكلؤنا في وقت الخطر فنرتاح ونطمئن، وإن كنا نتمنى ذلك وندعو به؛ بل لا نشعر إلا بعد النجاة من
الخطر الذي قد لا نشعر به أيضا قبل زواله، وقد لا نشعر به إطلاقا! وعند الشعور به يتمثل الهول في الذهن فيقدّر المرء نعمة ربه ويحمده عليها.
في خريف عام 1993 كنت مدعوا لقضاء ليلة مع أحباء لي بآفطوط على الطريق الرابط بين العاصمة والقوارب، قبلت الدعوة شاكرا وحرصت على تلبيتها ولكن الشيطان أنسانيها إلى غروب اليوم قبلها، فبينما كنت في "تودروا" باتجاه المتجر الأبيض بعرفات مررت بإحدى "نيگابات" الجديدة متوقفة قرب بيت الشرطة، ويبدو أنها تأخرت مثلي بالعاصمة.
بمجرد رؤيتها تذكرت موعدي مع صاحبي فبادرت بالنزول إليها لأجد صاحبها الفاضل يستعد لإدارة محركها وقد شحنت بالناس والأمتعة. وكان التناسُبُ عكسيا بين حرص الرجل على اصطحابي وحرص الركاب على سد الفراغات أمامي، والسعي لإقناطي من مكان معهم. وأخيرا استطاع الشهم الكريم أن يبوئني مقعدَ صَبْر فوق شباك نافذة قريب عهد بمعمل الحِدادة تحاماه الركاب للنجاة بجلودهم، واستطعت الاستقرار عليه بعد ما وضعت نعلي وكومت بعض ثيابي ولثام صاحب السيارة بيني وبين أطراف الحديد المسنونة، وانطلقنا مع المغرب على بركة الله.
على طرف العاصمة بدأ الغيث ينهمر.. ويبدو أننا وصلنا إليه كما توسمته من أدلة توحي بأنه استمر فترة قبلنا. ولأن السيارة مظللة استعدادا للمطر لم نعان مشكلة ولم يصلنا بلل.
عندما قابلنا الحي المقصود توقف الناقل بحذر منبها إياي أن قد وصلت، فنزلت مودعا حامدا، وكانت بقية من الطل لما تنقطع. وجدت المكان قد امتلأ بما رحب فجمع بين أهله وسكان جدد بعضهم ممن تعوّد قضاء الخريف هناك والبعض ممن لفظتهم العاصمة دون اختيار مكان بذاته؛ وهو ما جعل من الصعب تحديد المقصودين من غيرهم لولا المنازل المشيدة، ولكنها صعوبة لا تصل إلى اجتياز بحيرة تعترض بين الطريق المعبد وبين وجهتي. سرت معها جنوبا فلم أر لها نهاية، ثم رجعت شمالا (أو العكس) فكان الأمر كذلك!
جمعت دراعتي تحت إبطي وجعلت نعليّ في يدي وعبرت الماء بطمأنينة ثم غسلت ما تحت ركبتيّ وانتعلت وأرخيت ثوبي فاستعدت "وثاقتي" وجئت المكان المقصود.
بعد دقائق وصل مدعوون آخرون شاكين من الغدران المستبحرة التي دعتهم إلى العبور من بعيد والسير على مرتفع من الأرض حتى انحدروا من الشرق إلى المكان المقصود.
قلت مستغربا: لم لا تعبرون الماء فتستريحوا من كل هذا العناء؟
قال بعضهم: ذاك فعل لا يقدم عليه عاقل!
قلت وقد زاد استغرابي: لماذا؟
فردوا: لأن من له حاجة إلى نفسه لا يفعله.
قلت: أنا فعلته ولي حاجة إلى نفسي!
ثار الكلام بين مستغرب وبين مكذب تصريحا أو كناية، ولم يقطعه إلا السير بمصباح يدوي - أو أكثر- على أثري إلى حيث خرجت من الغدير واغتسلت على حافته عن الطين والعوالق، والتأكد من صحة قولي.
استعظم القوم ذلك وتعجبوا منه، وشرحوا لي أن سكان التجمع المَزُور يعتمدون في الشرب على آبار (عُقَل) يحفرونها في أماكن الغُدُر توخيا لعذوبة الماء ويبلغ طولها أقصى مداه في الصيف مطاردة منهم للماء.
وبعد ما جف المكان أرونيها فوجدتها تتناثر بشكل عشوائي فاغرة أفواهها في المكان الذي عبرت منه، ومن الصعب السير على خط مستقيم دون الوقوع في إحداها، فلم أدر - أنا أيضا- كيف نجوت. ولو وقعت في إحداها بالليل ولا أحد يراني لما علم بي أحد قبل الشتاء!
هنا أدركت حجم الخطر الذي نجوت منه بفضل الله فقاسمت القوم استغرابهم، بعد ما كنت أرى فيه نسبة من التهويل غير الضروري!

ليست هناك تعليقات :