ظرافات وظرفاء (66)
في صيف عام 1983 - وأنا بالبادية- كنت مع صديق لي بعيد المغرب على بعد حوالي أربعة كيلو مترات من أهلي حينما تحركت ريح خفيفة السرعة كثيفة الغبار زادت الليل ظلاما فلم آمن أن تطول مدتها أو تتحول إلى مطر فتحبسني عن أهلي؛ لذا
نهضت غير مصغ إلى ناصح بالتريث ولا مُخوِّف من الحيرة والضلال، وتزودت عصا وسرت في الاتجاه الذي أراه صحيحا.ليلتها جربت معاناة العمي وقدرت الجهد الذي يبذلونه للسباحة في تيار الحياة. كنت أسير في أرض حباها الله وفرة في شجيرات القتاد التي يناسب انخفاضها إدماء الساق والتشبث بالسراويل، فلا أخلص من واحدة إلا لتستلمني أخرى تعوقني قدر ما أخلص بدني وثوبي.
وبعد مسافة مرت فيها مدة من خرط القتاد بدأ الغبار يخف وإن بقي منه ما يزيد الظلام، وصل إلى سمعي صوت خطو إنسان يسير ناحيتي، وحين اقترب مني سلمت فلم يرد السلام، سألت: من أنت؟ فلم يجبني، وإنما واصل السير نحوي وحين أصبح بحيث ينبغي أن أرى جسمه – ولو دون وضوح- لم أره رغم أني أسمع صوت نعليه وثوبه علمت أنه غير إنسان! صبرت إلى أن صار الصوت أمامي فحركت العصا فمسته فغرزتها فيه فسكن، ثم هويت إلى الأرض متلمسا لأجد كيسا كبيرا من البلاستيك (زازُ الغليظ) كان هبوب الريح يسيره!
بدأت الرؤية تتحسن فتبينت أين أنا واستعدت ضبط بوصلتي بعدما كنت أسير إلى غير اتجاهي المقصود دون شعور، وكان طريقي يمر على مسافة قريبة من البئر، وحين حاذيتها سمعت صوت القعو (التايِنّه) بشدة لا تتناسب مع ضعف المواشي في أواخر الصيف ولم تكن غزارة الماء تحوج إلى الورود ليلا!
عدلت إلى البئر لاجتلاء هذا الأمر فلم أجد بها إلا الصراصير (ابجالم) تُرَوِّح عن نفسها بالضجيج في مزارع خضروات أقيمت هناك استجابة لتعليمات الرئيس هيداله وانسجاما مع شعار الاكتفاء الذاتي المرفوع في تلك الأيام.
زال الإشكال الثاني ونصف الإشكال الأول؛ فصوت البلاستيك الغليظ شبيه بصوت الثوب المصبوغ أو المصمغ، ولكني لم أفهم صوت النعلين إلا بعد العودة غدا لأجد اللقاء حدث في مرْبَع قوم من ذوي البقر فكان مرور الكيس على مخلفاته يحدث صوتا كالذي يحدثه وقع النعل على الأرض بينما كان صوته هو في نفسه شبيها بصوت الثوب القاسي!


ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق