الخميس، 19 فبراير 2015

‏أحمد الحافظ‏ ذاكــــــــرة طفل..!!! 9

ذاكــــــــرة طفل..!!! 9
سار فصلنا الدراسي الأول ذلك ـ على غير العادة ـ رتيبا مملًّا كئيبا.. ما عاد زمننا هو هو.. ولا عادت أيامنا هي هي.. دروس جافة معادة.. وفضاء مثقل باليأس والغلظة..!
سئمت شكل
"معلمي" المتناثر.. ووقاره المفتعل.. وربانيته المزورة.. ما عدت أطيق ذلك العالَم "المغشوش"..!
أصبح "المعلم" في نظري شبيها بإمام الجمعة.. والمدرسة تشبه الجامع، والدروس لا تختلف كثيرا عن الخطبة.. طقوس ومواعظ لاكتها الألسن وعفا عليها الزمن؛ أرهقتها قرون من المد والجزر منذ أن ودعت "قس بن ساعدة".. أتثاقل كثيرا في طريقي إلى المدرسة.. فأنا ما إن أدركت أن "الإمام" يكرِّر ذات الأسطوانة (أيها الناس.. كل ما هو آت آت) ما إن أدركت ذلك حتى قررت أن لا أحرص على حضور الجمعة؛ فأتغيب عن "جمعة" وأحضر "الركعة" الأخيرة من الجمعة الموالية؛ فقط لأنني لا أريد أن يختم الله على قلبي.. غدت المدرسة سجنا مخيفا، أو سخيفا، أو هما معا.. وغدا "معلمي" واعظا "مُزَوَّرًا" كل همه افتعال السكينة والوقار، وتكلُّف الهدوء..!
ما عادت لي طاقة إلى ذلك "المعلم" الرحالة.. ولا إلى تلك "المدرسة" الموحشة..!
ومع ذلك لا خيار أمامي إلا أن أظل حاضرا؛ تتقاذفني "الموعظة" الشاحبة، و"الحسرة" المملة على ذلك "المعلم" الجميل الذي اختفى فجأة، وعلى تلك "المدرسة" المفيدة والمسلية والتي تحولت صدفة إلى شبح غامض، وذلك "الواعظ" الفاشل الذي رمتني أقداري إلى معبده المهجور..!
غريبٌ أمر هذه الحياة؛ لا تحلو لك إلا بالقدر الذي تتبين منه فظاعة الإحساس بالمرارة.. أشهُرٌ قليلةٌ ربحتُ خلالها عالَمًا من الأحلام طيبا.. وفي "لحظات" معدودة تتحول الأحلام أوهاما..!
مَرَّتْ حصص الفصل الدراسي الأول بِطَاءً.. ثم أجرينا الامتحان "النصفي" وجاء "المعلم" أو "الواعظ" ليوزع علينا النتائج.. لم يعد يعنيني كثيرا من تفاصيل ذلك العالَم "البائس" ولذلك لم يفاجئني أن "سيدي أحمد" جاء هو "الأول" وكان للأمر أن يمر سحابة صيف عابرة؛ حتى "الأهالي" لا تهتم كثيرا بتلك الشكليات..!
أما نحن فلا نفهم مطلقا معايير "الترتيب" تلك أمور ـ من بين أخرى ـ خص الله بها "المعلم" ووحده يعرف آلياتها، ويتصرف فيها..! لم يكن لأيٍّ منا أن يعترض أو يسأل لماذا لولا تلك "المحاضرة" النكدة الساذجة التي أشفع "المعلم" بها نتائجه؛ إذ قال إن "سيدي أحمد" لم يكن الأحسن، ولا الأكمل إجابات؛ غير أن عبادته الخالصة لله والتي ورثها كابرا عن كابر، تنبئ عن تأثر عميق بالأجلاء الصُّلحاء الربانيين.. كادت دموع "المعلم" تنهمر ـ تأثرا ـ وهو يسترسل في "عبادة" سيدي أحمد (ذلك الذي كان في أعيننا لا يعدو عَيِيًّا أخرق لا يكاد يفصح أو يبين؛ تحسبه من هيئته "المقززة" مختلا..!)
"المعلم" أحبه بصدق وبعمق وأحب آباءه العلماء الفضلاء؛ بل أكثر من ذلك رآه امتدادا للصالحين منذ الأزل؛ يُذَكِّرُهُ خشوعه وخنوعه في الصلاة، وغيابه في ذات الإله، وزهده في مظاهر الدنيا، وإيمانه المفرط بالقدر خيره وشره.. يذكره كل ذلك بسِيَرِ الصالحين أيام القرون "المزكاة" يذكره بابن أدهم وسفيان الثوري والحسن البصري ورابعة العدوية.. يذكره بقرون من الإيمان والصدق والإخلاص، والعلاقة بالله؛ لذلك ـ في نظر "المعلم" ـ لا ينبغي أو لا يجوز أن يأتي غيره "أولا" عليه.. فالله فضله بعد أن قضى عليه بكل ذلك القدر الجميل؛ من آباء صالحين، وعبادة خالصة..!
أهداه بعد كل ذلك "الإطراء" وتلك "التزكية" كتابا صغير؛ كتب عليه "الطريق إلى الله" أحسستُ وقتها ـ ربما غيرة أو حسدا ـ أن أرقام "معلمي" وكتبه مبتذلة منافقة؛ لا تعبر عن تميُّزٍ ولا تحقق فارقا؛ كأنها ما عادت تغريني..!
دار بخَلَدِي أن أقول له يا "معلمي" غششتنا؛ فلم تقل لنا في يوم أن الامتحان في "الصلاة" لو علمنا ذلك لرأيت منا من الخشوع والطمأنينة ما إن الجبال لتنوء به..!
ألا تذكر أيها المعلم "الرَّحَّالة" حين قلت لنا: لا تهمني صلاة الرجل ولا صومه؛ فتلك أمورٌ ذاتية جدا؛ يجني المرء نفسه ثمارها؛ أو يدفع ثمنها.. ما يعنيني من الشخص ما أشترك أنا وإياه فيه.. ألا تتذكر كم من دليل استدعيته يومها؛ لتبرهن على رأيك ذلك..!
هل يعقل أن يكون "الامتحان" في مادة؛ و"التقييم" في مادة أخرى؛ هل من الإنصاف أن نحاسب على "نسب" لم نختره ولم نُستشر في أمره..أليس في ذلك بعض الحيف..؟!
عدت إلى أهلي وأنا أشعر بانزعاج عميق.. أصبحت أحتقر الرقم "واحد" وأكره "المجلة".. فأنا لا أريد شيئا يجمعني "أنا" و"سيدي أحمد" ذلك "العيي" "الإمَّعة" لقد كنت "أتقزز" من ملامسته، من دفاتره، من أقلامه، من رائحته النتنة، من كل "أشيائه" الحقيرة.. وحده ملكوت الله الذي تصورت أنه يمكن أن يضمنا، واليوم يجمعنا رقم وجائزة وثناء..!!!
ما إن وصلت البيت حتى أشعلت النار في "جيفارا" وجلست أتلذذ بالتهام النار لقبعته ولحيته وسيجارته.. لحظة سادية جميلة وممتعة..!!!

ليست هناك تعليقات :